• اخر المشاركات

مفهوم التــخيـــيـــل الروائي

مقالات, تحقيقات, أراء و شروحات.

المشرف: noooooooooooor

مفهوم التــخيـــيـــل الروائي

مشاركةبواسطة noooooooooooor في الثلاثاء سبتمبر 19, 2006 12:22 am

مفهوم التــخيـــيـــل الروائي
كثيرا ما تقترن الرواية على مستوى التجنيس بمفهوم التخييل ، وذلك من أجل نفي التطابق المرجعي بين أحداث النص ومعطيات الواقع، وإلغاء نظرية الانعكاس المباشر وغير المباشر التي تعتبر النص الأدبي مرآة تعكس الذات والواقع تطابقا وتماثلا. إذاً، فما هي العلاقة بين التخييل والرواية؟ وما الفرق بين الخيال والتخييل؟ وكيف يمكن التمييز بين رواية الخيال والتخييل في الرواية العربية؟

أ‌- مفهوم التخييل في الحقلين الغربي والعربي:

يرادف كلمة التخييل العربية مصطلحFICTION في الإنجليزية ، ويقصد به ذلك النوع الأدبي الذي يصف الأحداث والشخصيات بطريقة خيالية لاتمت بأدنى صلة إلى الواقع أو الحقيقة المرجعية. ويعني التخييل كذلك ذلك الشيء الذي تم اختلاقه واختراعه بدون أن يكون له أساس واقعي حقيقي. وفي اللغة الفرنسية نجد أن fiction يعني إبداع الخيال أو التخييل، نحو التخييل الشاعري La fiction Poétique.
ولقد اشتقت كلمة تخييلfiction من اللاتينية fingere، وتدل على معنى الصورةfigure البلاغية، وfabulation التخريف الأسطوري، والإبداع الاختلاقيinvention.
وهكذا ترتبط كلمة التخييل بالخيال imagination، والتصوير المجازي الخارق، والاختلاق الإبداعي على وجه التقريب. ولقد ضاعفت العادة الإنجليزية في استخدام التخييلfiction بدلا من المصطلح القديم Novel الذي يطلق على جنس الرواية فحسب. إلا أن التخييل أعم من الخيال وأكثر تجاوزا له على مستوى التصور والإلهام والخلق،لاعتماده على الإغراب والمفارقة والخيال المجنح البعيد في التشخيص الأسلوبي والذهني، ناهيك عن افتراض الأحداث الممكنة والمستحيلة ونسجها فنيا وسرديا في عالم فني جمالي في أبهى روعة إبداعية.
ويجر التخييل معه في اللغة العربية كلمات اشتقاقية أخرى كالمخيلة بكسر الياء(مصدر الخيال)، والخيال(منتوج المخيلة)، والتخييل( فعل التخيل وممارسة الخيال، وهو دال الحركة والإبداع والإلهام) الذي يدل على الاختلاق والتوهيم بالحقيقة والخداع الفني وتصور الأحداث والشخصيات في سياق فني يتقاطع فيه الخيال والواقع.

ب‌- فنون التخييل وأنماطه:

يلاحظ من خلال هذه التعاريف الاصطلاحية والمفهومية أن فنون التخييل جزء من الأدبي الخيالي. وتنقسم هذه الفنون إلى: الرواية والقصة القصيرة والملحمة. ويعد التخييل السمة المميزة للأدب والفن على السواء. ويعني هذا أن التخييل قد يكون قصصيا أو دراميا أو شعريا أو ملحميا. وهذا يؤكد انتفاء المحاكاة التامة أو الخالصة والمطابقة المستنسخة حرفيا بين عالمين: عالم الكتابة الأدبية وعالم التناقضات الواقعية.
ويعني هذا أن جنس الرواية جزء من فنون التخييل. فشلوميت ريمون كنعان Shlomith Remmon-Kenan مثلا تدرج ضمن التخييل القصصي: الرواية والقصة القصيرة والقصيدة القصصية. وبذلك يتميز التخييل السردي عن التقرير الإخباري بخاصية التوهيم الفني والإبداع الخيالي.
و في هذا الصدد أعطى تيودور فونانT.FONANE تعريفا للتخييل الأدبي فقال:” ينبغي أن تحكي لنا الرواية (…) قصة نصدقها… وهو ماكان يعني أنها يجب أن تظهر لنا عالما من التخييل كأنه عالم من الواقع”.
ويبدو أن التخييل مقاربة تمثيلية ونسبية للواقع، وأن الروائي قد يستمد بعض الأحداث المرجعية الحقيقية والشخصيات من واقعها الذي تعيش فيه، ولكنه يتصرف فيها وفق الفن الجمالي والتصور الإبداعي و الإلهام الخيالي و ممارسة التخييل الاحتمالي في خلق الحبكة السردية وتمطيطها توليدا وتحويلا. وفي الفن لاينتج ظاهر الحياة” إلا بواسطة الشخصية باعتبارها تعيش وتفكر وتحس وتتكلم، باعتبارها أنا” UN JE” . إن صور الدراما والروايات هي شخصيات تخييلية؛ لأنها كأنها ذوات، كأنها ذوات تخييلية. فمن بين كل مواد الفن وحدها اللغة قادرة على إنتاج ظاهر الحياة، أي شخصيات تعيش وتحس وتفكر وتتكلم وتسكت. وعملية الإنتاج هذه أكثر تعقيدا بكثير في حالة الأدب السردي منه في حالة الفن الدرامي، وهو ماتكشف عنه بنية المحكي الملحمي الذي نسميه لهذا السبب بالذات تخييلا(fictionnel)” .
وقد لاحظ فراي وجود أربعة تشعبات للسرد التخييلي، منظورا إليها من ناحية الشكل:” الرواية والاعتراف والتشريح والرومانيسك؛ كما توجد ستة طرق للمزج بينها… وقد بينا كيف امتزجت الرواية مع التشعبات الثلاثة الأخرى. ومن النادر أن يهتم روائي، حصرا، بشكل واحد.”.
وفي صيغ التخييل يمكن تحديد ثلاثة أنواع من العلاقات القائمة بين العالم التخييلي وعالم التجربة؛ فعالم تخييلي، يمكن أن يكون أفضل أو أسوأ أو معادلا لعالم التجربة: وهذه العوالم التخييلية تقتضي مواقف رومانسية أو هجائية أو واقعية. ويمكن بالتالي للسرد التخييلي أن يقدم عالم الهجاء الساقط، أو عالم الرومانس البطولي أو عالم المحاكاة التاريخي( الرومانس- التاريخ- الهجاء).

ويمكن الحديث أيضا عن أنماط عدة من التخييل في الخطاب الروائي والقصصي كالتخييل التاريخي ، والتخييل المناقبي، والتخييل الرومانسي، والتخييل الواقعي، والتخييل الفانطاستيكي، والتخييل الأسطوري، والتخييل الشاعري، والتخييل الرمزي…

ج- آليات التخييل وعوالمه النصية:

يتم التخييل الفني بواسطة اللغة ، والانزياح، والمفارقة ، والمحاكاة الساخرة، والتهجين، والأسلبة، والتناص، والحوار، والتعجيب الفانطاستيكي، وتجاوز الواقع، ومحاورة الماضي، والتفاعل مع التراث نقدا وتناصا، وتمويه الأحداث والشخوص والفضاءات في صور روائية موحية ورمزية دالة، واستعمال خطاب سردي يتقاطع فيه الصدق والخيال والحقيقة والإدهاش. فكل عوالم النص التخييلي مصنوعة من لعبة الورق والتمويه بالواقع الممكن. ويعني هذا أن النص الأدبي يضم ثلاثة عوالم أساسية:
1- العوالم الحقيقية القائمة على التطابق المرجعي بين النص والواقع.
2- العوالم الممكنة القائمة على الافتراض والاحتمال النسبي.
3- العوالم المستحيلة التي تستند إلى الغرابة وتجاوز الواقع والممكن والخيال والافتراض كالأدب العجائبي والأسطوري…

د- الخيال والتخييل في الرواية العربية:

إذا انتقلنا إلى الرواية العربية الحديثة، سنجد أن الرواية الكلاسيكية ولاسيما الواقعية والرومانسية منها ارتكنت إلى المزج بين الواقع والخيال في بوتقة فنية جمالية لاتتعدى نطاق العقل والخيال إلى التخييل والإغراب التخييلي؛ نظرا لهيمنة المرآة والتوثيق الموضوعي في تشخيص الذات والواقع ( روايات نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي الواقعية، وروايات عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي الرومانسية). أما الرواية الجديدة والحداثية فقد تجاوزت الخيال والواقع معا إلى التخييل وخلق عوالم افتراضية وممكنة قائمة على الانزياح والمفارقة وتجاوز الوعي والواقع إلى اللاواقع واللاوعي وخصوصا في الرواية الفانطاستيكية( سماسرة السراب لبنسالم حميش، وأحلام بقرة لمحمد هرادي….)، ورواية التخييل التاريخي( الزيني بركات لجمال الغيطاني، ومجنون الحكم لبنسالم حميش…..)، والتخييل الصوفي(جارات أبي موسى لأحمد توفيق…)، ورواية التخييل الأسطوري ( بدر زمانه لمبارك ربيع…)… وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الروائيين العرب قد انتقلوا من رواية الواقع والخيال مع الرواية الكلاسيكية إلى رواية التخييل مع الرواية الجديدة والحداثية.

خلاصة:

و نستنتج مما سلف ذكره، أن التخييل أعم من الخيال، كما أنه أهم سمة بويطيقية للأدب بصفة عامة والسرد بصفة خاصة. و تعد الرواية جزءا من التخييل السردي ؛ لأنها تلتجئ إلى التمثيل وتوهيم الواقع أثناء تشخيص الذات والواقع وعالمها الروائي(Romanesque). وبهذا تفترق الرواية الجديدة والحداثية عن الرواية الكلاسيكية بخاصية التخييل، والاحتمال النسبي في مقاربة الذات والواقع، وخلق عوالم جمالية تجمع بين الإمكان والاستحالة. كما يفترق التخييل السردي عن الخطاب العلمي الخالص الذي يعتمد على الوصف الموضوعي، والتقرير العقلي، ومعايير الحقيقة، والصدق، والمنطق.
صورة
صورة
صورة العضو
noooooooooooor
مشرف عام
مشرف عام
 
مشاركات: 9403
اشترك في: الأحد ديسمبر 18, 2005 12:08 am
مكان: فوق الأرض, تحت السماء, بين البشر, هناك سوف تجدونني

العودة إلى بشكل عام

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 6 زائر/زوار