لم يعد خفياً على أحد - ومنذ أحداث الحادي عشر من أيلول - أن العالم قد دخل عصراً جديداً، عصر الولايات المتحدة الأمريكية، وليس المقصود بهذا المصطلح عصر الأمريكان الذهبي، بل هو العصر الأكثر حلكة في تاريخ هذا النظام الامبريالي الإرهابي، الذي و لطالما افتعل الحروب و القتل والتدمير بحق الشعوب حول العالم. وليست الحروب الأخيرة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية إلا أكبر دليل على الضعف الكبير في البنية الاقتصادية الأمريكية و أزمتها المستمرة التي وصلت بالاقتصاد الأمريكي إلى مرحلة الانهيار القريب " إنشاءالله" والذي جعل الحل العسكري هو الأمثل للسيطرة الاقتصادية على موارد العالم من نفط وغاز و و و و.
فبدأ مسلسل الحروب الأمريكية الجديد- و باختصار - بالحرب على أفغانستان، ثم أتبعوها بغزو العراق، ثم بدأ تنفيذ المخطط الأمريكي الصهيوني ضد سوريا: قانون محاسبة سوريا، اغتيال الحريري، القرارات 1559، 1595، 1636.... إلى أن أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشروع ببرنامجها النووي، و أثيرت القضية عالمياً، ووصلت إلى مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية ... يوميا نرى الاستنكار والشجب الأمريكي، وإلى آخره من الأحداث التي بات الجميع يتابعها على شاشات التلفزة.
بعد هذه المقدمة المقتضبة، أود مناقشة القضية الآتية: هل ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية بغزو إيران؟؟؟ و هل سيكون في مصلحتها القيام بمثل هذا العمل؟؟؟
مما لاشك فيه، ومن خلال التاريخ الأمريكي الحافل بالحروب والغزوات، أن الولايات المتحدة لن تتورع عن القيام بمثل هذا العمل، هذا من جهة، و من جهة أخرى، فإن كل يوم يمر على الولايات المتحدة سيساهم في تفاقم أزمتها الاقتصادية، و يجب على الأمريكيين أن يجدوا المخرج من الأزمة بأسرع وقت و في أقل من خمس سنوات. و كما ذكرت أعلاه، فإن الحل العسكري هو الأكثر خدمة لمشروع الأمريكان في السيطرة الاقتصادية، إي استخدام الآلة العسكرية كحل أخير. و إيران الغنية بالثروات الطبيعية من أكثر المناطق إغراء لتنفيذ هكذا مشروع.
و لكن ماذا لو ضربت الولايات المتحدة إيران؟؟ ماذا سيحصل؟؟
لن تكون العملية سهلة - كما العراق والذي بعد أن أبلى شعبه البلاء العظيم وأوقف الأمريكيين لأسابيع قبل وصول الجيش الأمريكي لبغداد والتي سقطت بعد الخيانة الكبيرة وفرار قيادات الجيش، و رموز النظام العراقي السابق - لا سيما أن الإيرانيين قيادة وشعباً يملكون من المقومات الاقتصادية و العسكرية والعقائدية ما يمكنهم من القتال حتى الرمق الأخير، و لعل تصريحات الرئيس الإيراني و العروض العسكرية والتطور التكنولوجي العسكري والاقتصادي اكبر دليل على ذلك، ناهيك عن الدعم الشعبي اللامحدود، فإيران تملك من العدد والعتاد ما في إمكانه سحق الأمريكان، و اعتماداً على معلوماتي المتواضعة سأعرض مكامن القوة الإيرانية:
1. القوات المسلحة الإيرانية و ما في حوزتها من بطاريات دفاع جوي، و منظومات الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، وسلاح الطيران الإيراني "الروسي الصنع"، إضافة لسلاح المدرعات، والقوات البحرية الإيرانية و ما شهدته أخيراً من إطلاق لغواصات إيرانية الصنع، و الصواريخ العائمة الطائرة التي حطمت الرقم القياسي العالمي في سرعتها. هذا كقوات و جيش نظامي.
2. الحرس الثوري الإيراني، و الذي يضم في صفوفه حوالي 9 مليون مقاتل و مقاتلة و من مختلف الأعمار، مزودين بالأسلحة الخفيفة و المتوسطة، و المقسمين إلى مجموعات صغيرة قادرة على الحركة بشكل فعال و خاصة في المدن، ويتمتعون بالكفاءات التدريبية التي تؤهلهم لخوض حرب العصابات في المدن والجبال حتى بالسلاح الأبيض، و هي طريقة جد ناجحة، و لا تزال هذه التجربة قائمة حتى يومنا هذا في فلسطين و العراق و جنوبي لبنان.
3. دعم التنظيمات المسلحة الموالية لإيران في العراق و التي لن تقف مكتوفة الأيدي حيال أي ضربة متوقعة لإيران.
4. دعم التنظيمات اللبنانية المقاومة ( حزب الله، أمل، الشيوعي اللبناني، القومي السوري ...) و التنظيمات الفلسطينية المقاومة في لبنان و التي بدون شك لن تتوانى عن إمطار مستوطنات شمال فلسطين المحتلة بوابل من صواريخ الكاتيوشا التي و بعد الانسحاب الصهيوني من معظم الجنوب اللبناني أصبحت قادرة على الوصول إلى مسافة 30 كم في العمق المحتل، إضافة للعمليات العسكرية المعتادة.
5. دعم سوريا رسمياً و شعبياً، حيث أن ضربة مماثلة لإيران سترفع من مشاعر السوريين المعادية للأمريكان، لا سيما أن ضرب إيران سيجعل ضرب سوريا أكثر احتمالاً ، سوريا التي كانت و لا تزال الدولة العربية الوحيدة التي لم تفرط بالحقوق و لم تنحن للغطرسة الأمريكية الصهيونية.
6. دعم الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، و عمليات الفصائل الفلسطينية المحتملة و خاصة حماس و الجهاد الاسلامي و الجبهة الشعبية.
7. الدعم العالمي و خاصة من المعسكر اليساري النفطي الأمريكي الجنوبي.
قد يظن البعض أن الأسباب السابقة لن تؤدي إلى هزيمة الأمريكيين، فربما ستستخدم الولايات المتحدة السلاح النووي و ستقضي في لحظات على من يعاديها، و هذا وارد عند الأمريكيين و بكل صراحة، فمن استخدم السلاح النووي سابقاً يمكنه استخدامه لمرات أخرى، و لكن هذا بدون شك سيساهم في زيادة المشاعر المعادية للأمريكان، و لنفترض جدلاً أنهم استخدموه و أبادوا - لا سمح الله – القوة الإيرانية، سيبقى بدون شك من الإيرانيين العدد الكافي لإغلاق مضيق هرمز و منع أية ناقلة نفط أمريكية من العبور ، و لهذا آثاره المدمرة أيضاً على الأمريكيين.
ثم ليس من الصعب أبداً هزيمة الولايات المتحدة أو أي نظام إمبريالي مشابه، فالولايات المتحدة قادرة على شن حرب كبرى واحدة كل عام " كحرب العراق و فيتنام" أو حربين متوستطي الشدة كحرب أفغانستان، أو ثلاثة حروب أو ضربات صغيرة كحرب الخليج الأولى والثانية، و لن يقوى الاقتصاد الأمريكي على احتمال نفقات أكثر من عدد الحروب السابقة، فلماذا لا تشن الشعوب التي تعاني من ويلات الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من حرب كبيرة سنوياً، كما رأى الثائر تشي غيفارا منذ حوالي الـ50 سنة، هذا كفيل بأن تزول الولايات المتحدة عن الوجود كلياً. و لكن هذا لن يتحقق بإطلاق الشعارات و إعلان المواقف، هذا يلزمه الإرادة السياسية و الشعبية و الموقف الثابت الداعم لحركات التحرر و المقاومة.
فحرب الولايات المتحدة على إيران ستكون بداية النهاية، فقد "طمى الخطب حتى غاصت الركب" و لم يعد أي أحد بقادر على احتمال عنجهية و غطرسة هذا النظام الامبريالي المجرم و الذي ضاقت الشعوب ذرعاً من ممارساته و أعماله اللاإنسانية.
جورج الدروبي



