القشة التي قصمت ظهر البعير صدام حسين كانت الفقرة الأولى من بيان الوحدة السورية ـ العراقية التي قالت بتولي البكر رئاسة الجمهورية
بتاريخ 1979/6/16 توجهنا بصحبة الرئيس الأسد إلى بغداد لإجراء مباحثات تدفع القطرين الشقيقين إلى مزيد من التقارب حتى يتمّ تفادي الانهيار الكبير في الموقف العربي بعد أن خرجت مصر من جبهة المواجهة مع إسرائيل إثر اتفاق «كامب ديفيد».
وجاء هذا الاجتماع في إطار الدورة الثالثة للهيئة السياسية العليا المشتركة للقطرين السوري والعراقي، وكان الوفد يضم الرفيق عبد الحليم خدام وزير الخارجية، والرفيق فهمي اليوسفي نائب رئيس الوزراء لشؤون الخدمات, وفي الساعة السادسة مساءً عُقد الاجتماع وكان الطرف العراقي يتألف من الرئيس أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية، ونائبه صدام حسين، ووزير الخارجية طارق عزيز، وعندما قدّم النادل كأس الشاي للرئيس الأسد نهره صدام حسين وقال له: «اذهب واغسل الإبريق جيداً ثم اعمل لنا طبخة شاي جديدة، وبعد ذلك اسكب عشرين كأساً وقدّم الصينية للرئيس الأسد ليختار منها الذي يرغب (هناك مثل شعبي يقول: «اللي برقبتو مسلة بتنخرو» وهكذا كان صدام مهووسا بالسموم وكان سم (الثاليوم) هو المفضل لديه وقد ابتكره له مخبر سموم من المانيا الديموقراطية ويحوي هذا السم المركب على سبعة انواع من السموم وكلما تمكن الجسم من افراز مادة مضادة لهذا السم تحرك السم الثاني للعمل، وهكذا حتى يرهق الجسم وتتلاشى المقاومة)».
بعد تناول الشاي وبدء المحادثات لاحظت أنّ الرئيس أحمد حسن البكر متحمس لوحدة القطرين بعكس نائبه صدام، وكان وجه البكر يتهلل بالفرح والسرور كلما جرى بحث موضوع الوحدة بينما كان صدام يكفهر وجهه, وأخيراً تمّ الاتفاق على صيغة مقبولة وإن كانت أقل مما يطمح إليه الرئيسان الأسد والبكر، ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير (وكان البعير صدام) كانت الفقرة الأولى من البيان: يتولى أحمد حسن البكر رئاسة الجمهورية ويكون الرئيس حافظ الأسد نائباً له، وبهذه الصيغة يكون صدام حسين قد خرج من المولد دون حبة ملبس, وكظم غيظه وقرر أن يُنهي هذا الموضوع وإلى الأبد.
ولأن البكر كان أحد أهم المتحمسين لإقامة الاتحاد لأنه سينهي حياته السياسية كرئيس لدولة عربية تضم سورية والعراق، خصوصا وأنّ حزب البعث العربي الاشتراكي في القطرين كان القاسم المشترك لتحقيق هذا الإنجاز التاريخي، قرر صدام حسين أن يفجعه بابنه الأوسط محمد الذي كان يردّد دائماً وبحضور صدام حسين: والله سيكون مقتلك على يدي إذا لم تعد إلى جادة الصواب وتقلع عن هذا السلوك الأهوج الذي لا يخدم أبداً مصلحة الحزب, وبينما كان محمد حسن البكر يقود سيّارته على طريق بغداد ـ البصرة وإذا بسيارة قلاب تخرج عليه من طريق جانبي وتسببت بتدهور السيارة ومقتل كل من فيها من الركاب.
ولابدَّ من أن أضع القارئ في صورة الحدث حتى يكون لديه رؤية شاملة للموضوع، فبعد إعلان بيان الاتحاد العراقي ــ السوري عبرت الحدود ستة عشر ألف سيارة عراقية باتجاه سورية، وعرف صدام حسين أنّ هذا التقارب بين القطرين وهذا التيار الوحدوي الجارف سوف يقضي على كل أحلامه باستلام السلطة, وعاد إلى التلفزيون من جديد وأخذ يتأمل بالرفاق العراقيين الذين سلموا على الرئيس الأسد بحرارة ومحبة ظاهرة فقرر أن يقتلهم جميعاً بلا شفقة ولا رحمة.
بعد أن انتهت المباحثات السياسية وتوصلنا إلى الصيغة النهائية للبيان، استأذنت الرئيس الأسد بأن أزور أقاربي في بغداد، وكان الأسد يعلم أنّ لي عديلاً من العراق هو المهندس عبادي أركان العبادي الذي درس الهندسة في جامعة حلب، وتعرف هنالك على المهندسة سعدية الجابري، وحصل التعارف والتحابب والزواج، اتصلت بالدكتورة ندى العبادي الأُستاذة في كلية الطب بجامعة بغداد وسألتها إذا كان بالإمكان أن نشرب قهوة سويّة في أي مكان تريده: «فأنا لا أعرف بغداد كما تعرفينها أنتِ», فقالت: «إذاً نلتقي الساعة التاسعة في نادي الصيد والضابط المرافق لكم بالتأكيد سوف يعرفه» قلت لها: «إنّ معي زملائي الوزراء»، فقالت: «ولا يهمك وأنا معي زوجي», كانت ندى في منتهى الذوق باستقبالي مع رفاقي، وطلبت لنا القهوة التي أُحبها (مغلية جيداً,,, وسكر زيادة)، وبعد أن نقلت إليها محبة أُم فراس ودعوتها لزيارة دمشق لاجتماع شمل المحبين، ووعدت بتلبية الزيارة في أول مناسبة, وبينما كنا مسحورين بهذا الجو الرومانسي إذ سمعنا دربكة من حولنا وسألتُ النادل فأجابني أنّ وزير الدفاع اللواء عدنان خير الله، ووزير الداخلية، ورئيس المخابرات العامة، قادمون إلى هنا من أجل دعوتكم لتناول طعام العشاء، وما هي إلا دقائق إلا والطاولة المجاورة إلينا قد اكتملت بالمدعوين كافة, قال اللواء عدنان: «تفضل أنت وضيوفك», وسألتُ الدكتورة ندى إذا كانت توافق على تلبية الدعوة فأجابت: «اذهب أنتَ مع رفاقك السوريين فأنتم بعثيون بعضكم مع بعض ونحن نرى أنّ هؤلاء (,,,) بغداد ونحن لا نعترف بهم أبداً، وسوف نكمل قهوتنا ونمضي إلى بيتنا».
كان اللواء عدنان خير الله قد عرف مكان وجودي بعد أن التقطت أجهزة التنصت مخابرتي الهاتفية من فندق الرشيد إلى جامعة بغداد، ودّعتُ الدكتورة ندى وزوجها الذي نسيت اسمه وهذه عادة سيئة لديّ مازالت مستمرة حتى الآن وتوجهت إلى طاولة مضيفي وزير الدفاع العراقي ومعي رفاقي الوزراء السوريون وما أن جلسنا إلى الطاولة حتى بدأ المطربون يغنون الأغاني الخاصة بتمجيد الرئيسين حافظ الأسد وأحمد حسن البكر، ودبت النشوة في رأس الزميل عدنان وتناول مسدسه وأطلق عدة عيارات نارية في الهواء ابتهاجاً، وناوله الضابط المرافق بندقية كلاشينكوف أخمص طي ملقَّمة، وقام بتفريغ المخزن بضغطة واحدة على الزناد، الأمر الذي جعل رواد النادي يهربون بجلودهم وحمدنا الله لعدم وقوع ضحايا بين المواطنين الأبرياء (قال اللواء عدنان لمرافقيه: اذا كان هناك جرحى خذوهم إلى المستشفى العسكري,,, واذا كان هناك قتلى ضعوهم في البراد وعندما تتعرفون على اسمائهم تسلمون الجثث لذويهم لدفنهم).
بعد أن اطمأن اللواء عدنان بعدم وقوع خسائر أخذ يُطلق النار من مسدسه وكانت الرصاصات تمر من فوق رأس الرفيق فهمي اليوسفي، الذي قرّر تغيير مكانه بعيداً عن هذا العبث الناري، وهنا لم يبق في الميدان سواي وبدأ اللواء عدنان بإطلاق الرصاص من فوق رأسي مباشرة وقد أمّن له المرافق خمسة مسدسات مشط وبكرة، وكان كلما يفرغ مسدس يناوله واحداً آخر,,, قلت في نفسي إذا غيّرت مكاني على الطاولة سوف يُصبح الموضوع قصة يتندَّر بها المسؤولون العراقيون في مجالسهم، ومن هذا المنطلق قررت أن أُخرّب هذه اللعبة وسأبقى في مكاني حتى تفرغ آخر رصاصة في مخزون الجيش العراقي.
كان الرصاص يمر من فوق رأسي وكنت أشعر بلهيب البارود الساخن عندما يتم الإطلاق بالمسدس البكرة، وبعد أن أطلق اللواء عدنان نحو مئة وخمسين طلقة توقف عن اللعبة وقال نحن جئنا إلى هنا لتبادل الحديث وليس لإطلاق الرصاص», فأجبته: «كما تريدون ونحن لا نحمل مسدسات لمشاركتكم بهذا الابتهاج» انضم إلى الطاولة طبيب لم أعد أذكر اسمه ولكنه قال لي: «إنه نديم الرئيس البكر ونائبه صدام», فقلت له: «يعني هام طبيب وهام؟»(,,,) فأجابني: «منك مقبولة كنكتة,,, ولكن أنا بالفعل طبيب ونديم».
قلت له معنى نديم في عرفنا أنه رجل يحبُّ الشعر والتاريخ وأخبار الملوك والسلاطين، فقال لي: «وأنا كما ذكرت» قلت له: «اسمع أنا صديق الشعراء والأُدباء منذ طفولتي والشعر ليس عصيّاً عليَّ إذا شمَّرتُ عن ساعدي,,, ولكن هناك موّال بغدادي سمعته من شاعر حمصي كان يشرب العرق الزحلاوي في مقصف ديك الجن على ضفاف العاصي لم يعلق بذاكرتي منه سوى مقطعين وأنا أرغب إليكم بإكمالها إلى سبعة», فأجابني: «سوف أنجز المهمة اليوم ونحن على الطاولة,, قلت له: طوّل بالك المهمة ليست سهلة» فأجابني: «سوف تأتيك الإجابة إلى فندق الرشيد قبل سفرك إلى دمشق و إلا سوف تأتيك بالبريد المضمون إلى مبنى القيادة العامة في ساحة الأمويين, قلت له حباً وكرامة0 وإليك المقطع الأول:
«من يوم فرقاك عَـبِّينا العَسَل بتناك
قلت له: بتناك يعني التنك» قال: أفتهم,.
وتابعت: وعهدي فيك يا رفيق الصّبا (,,,)»!,.
وضحك الجميع وحتى اليوم لم يصلني الرد.



