[size=24]صدام حسين ينفذ المجزرة
يظل الكثير من أسرار تسلُّم صدام حسين، الموقع الأول في الدولة والحزب الحاكم، منتصف تموز (يوليو) 1979 في العراق طي الكتمان، لاعتبارات وأسباب عدة، أبرزها أنّ الرجل الذي أُزيح، وهو الرئيس السابق أحمد حسن البكر، عاش وحيداً منبوذاً منذ عزله إلى أن غاب أو غُيِّب عن الحياة، بعد ثلاث سنوات من إقصائه، وكذلك قتل وتصفية الشهود الذين عايشوا الأيام الثلاثة الصاخبة، من 14 تموز (يوليو) إلى 17 منه، وفيه تمّ كل شيء، وفق مخطط مرسوم بدقة وعناية، ولقي وزراءٌ وقوادٌ ومسؤولون كبار مصرعهم بعد أن استُدرجوا إلى الفخ، وعاش آخرون في خرس، لا يقوون على قول الحقيقة وما جرى في تلك الساعات العاصفة.
أسئلة كثيرة، وتساؤلات أكثر عمّا حدث في تلك المجزرة التي اصطُلح على تسميتها بـ (القطرية) وراح ضحيتها نحو ثلاثين قيادياً بعثياً ووزيراً وضابطاً وكادراً حزبياً بين معدوم ومشنوق ومخنوق قُتِلوا بأيدي رفاقهم في الحزب، تنفيذاً لقرار أصدره الرئيس الجديد صدام حسين، وشكل سابقةً من نوعها وفي طريقتها، عندما استُدعي مندوبون عن منظمات الحزب كافة، ليطلقوا الرصاص على رفاقهم وأساتذتهم ومسؤوليهم، ليضيع دم المقتولين ويتوزع على المئات من (الرفاق) الذين حُشِروا في حدائق القصر الجمهوري، وهم ينتكبون البنادق والرشاشات لتنفيذ مذبحة دموية، القتلة والقتلى فيها من البعثيين، في مفارقة تاريخية وسياسية، وتركت آثاراً ونتائج ظلّت تتفاعل، واتخذت مسارات خطيرة لاحقاً.
لقد ملّ صدام حسين نائب الرئيس الانتظار، وهو الذي كان يأمل أن يتنحى أحمد حسن البكر، قبل عام مضى، خلال الاحتفال بالذكرى العاشرة لحركة 30-17 تموز (يوليو) 1978، وسط طفرة من الموارد والثروات ونوع من الاستقرار، لم يخدشه غير الصِّدام المفتعل مع الحزب الشيوعي الحليف (قام صدام حسين باعدام الفي مناضل شيوعي، ووضعهم في خوابي فخارية، ورماهم في نهر دجلة (هذه المعلومة من احد الزعماء العرب شخصيا) وقد همس بها صدام له عندما كان يزمع السفر الى الولايات المتحدة الاميركية وتابع صدام: قوله للجماعة,,, ان من يقتل الفي شيوعي ويرميهم في النهر لا يمكن ان يكون اشتراكيا او ماركسيا) مع الحزب الحاكم في الجبهة الوطنية والقومية، وكان صدّام يتطلع إلى الجلوس على «كرسي الرئاسة وزعامة الحزب بعد مرور عشرة أعوام على الثورة بعد أن سئم من صيغة المناصفة في السلطة، التي أضفت على أجهزة الدولة والحزب آثاراً سلبية، وقسّمتها إلى جناحين يتعايشان ظاهرياً بودٍ وسلام، فيما يخوضان صراعاً وتنافساً في الخفاء, وحينما أقبل شهر تموز (يوليو) من عام 1979، وهو العام الذي عزم صدّام حسين على حسمه لصالحه، برزت أحداث وتطورات، أقلقته تماماً، ولاح له أنّ الحُلم الذي رافقه طيلة عشرة أعوام مضت، في طريقه إلى التلاشي، خصوصاً بعد أن صدرت تلميحات في بعض الأحيان، وتصريحات في أحيان أُخرى، تشير إلى أن الرئيس البكر، لن يغادر موقعه في قيادة الدولة والحزب الحاكم، إلا بعد ولادة دولة الوحدة بين العراق وسورية التي يحكمها جناحان من حزب البعث خصوصاً وإنّ خطوات باتجاه التوحيد بدأت بين البلدين، إثر توقيع ميثاق العمل القومي وتحسين العلاقات بينهما منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 1978. وقد اعتقد صدام حسين، أو خُيل له، أن البكر في لجوئه إلى الوحدة مع سورية، التي تحظى بقبول وتأييد الأكثرية من قيادات وأعضاء حزب البعث، إنما يحاول استبعاده عن طريق الحلم والأمل، اللذين كرس لهما حياته لتولي رئاسة الحكم، في أعقاب تلويح الرئيس البكر بأنّ نظيره السوري حافظ الأسد، الأكفأ لقيادة دولة الوحدة، وتصريحه لتلفزيون بغداد في مطلع حزيران (يونيو) 1979:
(بأنني واثق من قدرات أخي الرئيس الأسد، وما يتمتع به من حيوية وبُعد نظر في العمل على تدعيم وحدة القطرين «العراق وسورية» بما يخدم الأمة العربية وحلمها المنشود في لمّ شملها ورصّ صفوفها).
وسواءً أكان البكر، صادقاً في دعواته الوحدوية، أم أنه عمد إلى هز نائبه واستفزازه عبر التلويح بالورقة السورية، إلا أنه لم يمض طويلاً في خطته التي لو أحكم خيوطها بدقة، لنجح فعلاً في إدارتها إلى نتيجتها المرجوه، ويبدو أن المرض (الاكتئاب الحاد) الذي أُصيب به بعد وفاة زوجته، ومصرع نجله الأوسط محمد وقبلهما مقتل زوج ابنته، مظهر المطلق، تفاقم في تلك الفترة إلى جانب معاكسات كبير مرافقيه العميد طارق حمد العبد الله، الذي يعرف بأنه (عين) صدام في القصر الجمهوري، كل هذه الحوادث أثرت على قدراته في صياغة أفكاره وبلورة خطواته بهذا الاتجاه.
فقد عُرِف ومنذ نهاية عام 1977، أنّ صراعاً خفيّاً بدأ يبرز بين الرئيس أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، على بسط النفوذ والقوة، الذي اتخذ شكلاً مستتراً بادئ الأمر، ثم تحوّل إلى العلن وظهر واضحاً في النجاح الذي أحرزه صدام في الضغط على البكر للتخلي عن الدكتور عزة مصطفى عضو مجلس قيادة الثورة، الذي كان من أقوى المحسوبين على جناح الرئيس، والرجل الثالث في تسلسل القيادة الحاكمة بعد البكر وصدام، وإقالته من مناصبه الرسمية والحزبية، بحجة تخاذله في إصدار عقوبات ضدّ متظاهرين شيعة في كربلاء والنجف احتفلوا بمناسبة دينية، ورغم أن البكر كان حتى مطلع عام 1979 يحظى بتأييد القيادات العسكرية (قادة الفيالق والفرق) ولم يجرؤ (ابن خال) صدام الفريق عدنان خير الله، على تصفية الوحدات الضاربة من آمريها المعروفين بولائهم وعلاقاتهم الوطيدة معه رغم تحريضات صدام حسين، إلا أنّ الرئيس بدأ يفقد القياديين في الحزب واحداً بعد الآخر، ولم يبق في صفه لغاية ذلك الوقت غير طه ياسين رمضان، وجعفر قاسم حمودي، من أعضاء القيادة القطرية للحزب، فيما كان ستة من أعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية يتأرجحون في ولاءاتهم بين الرئيس ونائبه، لاعتبارات خاصة بهم وهم عزة الدوري ونعيم حداد، وعبد الفتاح الياسين، ومحيي الشمري، ومحمد محجوب، ومحمد عايش، في الوقت الذي حسم فيه الآخرون وهم الأغلبية موقفهم، وعُرِفوا بتأييدهم للنائب صدام حسين ودعمهم له وفي المقدمة منهم: عدنان الحمداني، وطارق عزيز، وغانم عبد الجليل، وتايه عبد الكريم، وسعدون شاكر، وحسن العامري، وعدنان خير الله.
وعندما أقبل شهر تموز (يوليو) 1979، كانت الأجواء في العراق متوترة تماماً ولاحظ المعنيون والمراقبون للأوضاع العامة في البلاد، تناقضات في الشعارات السياسية التي طُرحت للاحتفال في الذكرى الحادية عشرة للثورة، ورُفعت لافتات استُبعد اسم البكر منها للمرة الاولى، فيما رفعت لافتات عُلّقت في بعض شوارع العاصمة الرئيسية، تشير إلى دور القيادة الشابة في الحزب والثورة، دون تحديد أو تنويه باسم محدد، وبدا واضحاً أنّ صدام حسين بدأ يلعب لعبته بذكاء دون أن ينتبه البكر إلى ذلك.
البكر فـي عينـي صدام
ويعترف صدام حسين لكاتب سيرته الصحافي اللبناني فؤاد مطر (لم يكن أحمد حسن البكر في وضع صحي ميئوس منه، ولكنه كان لا يحتمل أن يأتي يوم يقرأ في أعين العراقيين وغيرهم تساؤلات عن وضعه,, من نوع، ماذا ينتظر لكي يرتاح؟ وهل إنه يريد أن يكون مثل الجنرال فرانكو الذي اختار من يخلفه، لكنه رفض حتى لحظة رحيله أن يتخلى عن الحكم) (كتاب: صدام حسين, السيرة الذاتية والحزبية ص(69 ـ 70).
كان صدام حسين، يدرك أن البكر ليس من النوع الذي يتخلى عن وجاهة الحكم والسلطة بسهولة، لكنه كان واثقاً من إجباره على الاعتزال بالقوة من خلال انقلاب داخلي يعتمد على جهاز المخابرات الذي أصبح في ذلك الوقت، دولة داخل دولة، وهو مضمون الولاء له بكامله، قادة ومسؤولين وفي مقدمتهم رئيسه سعدون شاكر صديقه الحميم، ومعاونه الأخ غير الشقيق لصدام برزان إبراهيم التكريتي، غير أنه لم يكن مطمئناً لتعلق عدد من قيادات الحزب والجيش بالبكر، وحبهم له لاعتبارات عاطفية وتاريخية، كما أنه عرف منذ زمن، أن الأمين العام المساعد لحزب البعث، الدكتور منيف الرزاز الأُردني الجنسية، الذي كان يقود القيادة القومية للحزب بعد تواري السوريين ميشيل عفلق، وشبلي العيسمي، وأمين الحافظ، عن الأنظار منذ توقيع ميثاق العمل القومي بين العراق وسورية، يقف بقوة إلى جانب البكر ويشجعه على إتمام إجراءات الوحدة أو الاتحاد بين بغداد ودمشق، ولم يكن أمام صدام إزاء هذه التحديات إلا العمل بسرعة وحرق المراحل، خصوصاً وأنّ خلافاً نشأ بين الرئيس وصدام وقتئذ حول تشريع أمر البكر بإعداده لإعلانه في احتفالات 17 تموز (يوليو)، يقضي بزيادة رواتب الضباط والجنود والمعلمين وموظفي الدولة، كان يرى صدام إرجاء صدوره إلى موعد آخر لحسابات خاصة به وخشية التفاف عسكري وشعبي حول الرئيس.[/size]



